تجربة: محمود مصطفى كمال


في أحد أيام شتاء ٢٠٠٢ في شارع شريف بوسط المدينة بالقاهرة في مصر، كان هناك كشك صغير لبيع الشرائط الموسيقية الأجنبية -لم يكن للأقراص المدمجة إنتشار بعد- وكنت أتفقد الشرائط علي سبيل الفضول .. كان هناك واحداً لا يحمل سوى السواد ورسم لثعبان، وهو شكل غير مألوف بالنسبة لشخص تعود علي رؤية صورة المغني علي الغلاف، طلبت من البائع أن يعطيني الشريط لأقرأ من قريب كلمة Metallica .. أسماء الأغنيات الغير مألوفة ..  Enter Sandman .. Through the Never .. اشتريته علي سبيل الفضول .. ومن هنا تغير كل شئ، حتى وقفت أمامهم وجهاً لوجه في كوبنهاجن بعد ١٥ عاماً.


قد يتخيل البعض أن الإعجاب بفرقة موسيقية أو مغني هو لهوس شخصي به، لكن علاقتي بـMetallica لم تكن كذلك، لأني لا أعرف جانباً في حياتي لم يؤثروا فيه بشكل قوي، فبشكل مبدئي لقد تعلمت اللغة الانجليزية بشكل حقيقي منذ أن بدأت الاستماع لميتاليكا بدافع الفضول لمعرفة كل كلمة في الأغنية، وهو ما كان له أثره علي مستقبلي العملي فيما بعد، وتعلمت عزف الـBass Guitar من خلال أغنياتهم، وبطريقة ما، كان تطورهم على المستوى الشخصي موازي لحياتي الشخصية.


كلمات أغنياتهم مختلفة .. دائماً ما تطرقت للصراعات الإنسانية وصراع الإنسان والحياة، وصراع الإنسان مع نفسه في كثير من الأحيان، تطرقوا للحرب والتقدم في السن والصراعات التي نواجهها في حياتنا اليومية .. لكن كانت اغنياتهم هي العلاج النفسي اليومي الذي يبقيني علي تفائلي وسط أي صعوبات لوجود أصدقاء أربعة يشاركونني ما أفكر فيه.


فهناك العديد من المحطات الدرامية في مشوار ميتاليكا، أولها كان الإنتقال من مجرد النجاح إلى النجاح الصارخ مع The Black Album حيث صارت ميتاليكا رسمياً الفرقة الأكثر نجاحاً في تاريخ موسيقي الميتال، ومن ثم تحولهم الشامل في ألبوم Load بدءاً من الشكل حينما ظهروا بالشعر القصير، وصولاً لنوعية الموسيقى ذاتها التي لم تكن بـ"الثقل" والعنف والسرعة ذاتها التي تعود عليها محبي ميتاليكا من الألبومات الأولى، لكنهم فعلوا ذلك لأنهم حسب قول جيمس هيتفيلد المغني ولاعب الجيتار قد مروا بتغيرات في حياتهم ولابد أن تتغير موسيقاهم أيضاً، وقد ثبتوا علي موقفهم بتقديم تجارب موسيقية جديدة في Reload، وقد كان ألبوم Garage Inc. بالنسبة لي بوابة سحرية لعالم أكبر من الموسيقى، فهو ألبوم كامل تعيد فيه ميتاليكا إنتاج الكلاسيكيات المفضلة بالنسبة لهم من موسيقي الميتال والروك، ومن خلاله عرفت أغاني فرق أخرى مثل Black Sabbath وThe Misfits وDiamond Head وMercyful Fate وبالطبع Motorhead وغيرهم كثيرين وبدأت في الانغماس أكثر في هذا العالم الخيالي!


مع صدور ألبوم St. Anger تعلمت درساً وهو أن ما يعجبك ليس بالضرورة أن يعجب الناس، فقد كانوا يستمتعون بنوعية الموسيقى المقدمة به ولكن الناس لم تتقبله بشكل جيد، لكن ميتاليكا كان تعليقهم أن "هذا ما نريد فعله في الوقت الحالي".


مع صدور أحدث ألبومات ميتاليكا Hardwired .. To Self Destruct كان في ذهني شئ واحد، وهو أن أراهم في حفل حقيقي بعدما شاهدت مئات الحفلات عبر أقراص مدمجة قمت بشرائها قديماً أو علي Youtube، أريد أن أقابل الأصدقاء الذين لازموني خلال الخمسة عشر سنة الأخيرة بدون أن أقابلهم يوماً .. عاصرت نجاحاتهم وتعلمهم من الفشل .. وكانوا جزءاً من نجاحي و أيامي الصعبة أيضاً .. فعلي مدار السنوات أصبح لي طقوسي الخاصة عند النجاح أو الضغط العصبي أو السفر، جميعها مرتبط بالإستماع لأحد أغاني ميتاليكا. قبل صدور الألبوم بأسبوعين، كنت قد حجزت تذكرتي في حفل كوبنهاجن، وتذكرة الطائرة و هاتفت صديقي البرتغالي الذي إنتقل حديثاً إلى الدنمارك لأخبره بأنني سأزوره في فبراير! واليوم أقف أمام رويال أرينا مكان إقامة الحفل ولا أصدق أنني أخيراً سأرى ميتاليكا!


٦ ساعات من الوقوف المبكر قبل الحفل حتى أحجز مكاني في الصف الأول، ولا أصدق حتى الآن ما أفعله، أنني أردد ورائهم أنغام من Master of Puppets وThe Memory Remains وBlackened وWhiplash .. نظر لي كيرك هاميت في عيني وهز رأسه حينما لاحظ اندماجي في الأغنية كباقي الجمهور، ونظر جيمس هيتفيلد إلى الكاميرا حينما كنت التقط «سيلفي» مع المسرح.




ذهابي إلي كوبنهاجن كان لتتويج رحلة صداقة مع هذه الفرقة استمرت لعقد ونصف، تعلمت منهم أن أكون نفسي علي إختلاف الظروف، سواء أعجب ذلك من حولي أم لا، وألا أنجرف وراء تكرار نفسي مراراً وتكراراً فقط لأن من حولي يعجبهم ذلك، تعلمت من ميتاليكا أن أنظر للخوف في عينيه وأراهن علي تغلبي عليه في كل موقف، وإلى جانب كل تلك الدروس الحياتية كان هناك الساعات والساعات من الموسيقى الرائعة والإستمتاع! 


كبروا وكبرت أنا أيضاً .. شكراً ميتاليكا علي كل شئ .. بدءاً من لقائنا الأول في شارع شريف، حتى الليلة التي لن أنساها في كوبنهاجن.

الأكثر قراءة شاهد المزيد