تجربة: محمود مصطفى كمال


إذا كنت من محبي أفلام الأبيض والأسود فربما تعرف فيلم «سنوات الحب» لنادية لطفي وشكري سرحان .. قصة الفيلم باختصار أن نادية لطفي وشكري سرحان أحبا بعضهما في الفيلم واتفقا علي اللقاء في أحد الأيام، لكن شكري سرحان أضطر للسفر بسبب العمل وبعث لنادية خطاباً مع أحد معارفه ليعتذر عن الحضور، لكن هذا الشخص لم يوصل الخطاب، فظنت نادية لطفي أن شكري سرحان قد تخلى عنها وغرقت في أحزانها حتى تزوجت من آخر بعد يأس .. ليعود شكري سرحان من السفر ويفاجأ بهذه الفاجعة .. هذا بالطبع لعدم وجود انترنت أو هواتف ذكية أو أي نوع من أنواع التواصل في زمن الفيلم والتي كانت ستقضي علي الفكرة الدرامية من الأساس "نادية خليها يوم الأربع" علي Whatsapp وخلاص .. لكنها الستينات.


هذه القصة بإختصار هي ملخص تجربتي للسفر مع شركة Nile Air، فهي تجربة تنتمي بشكل كبير لعصر التلغرافات والتليفونات الأرضية وعصر إنتظار المسافرين علي مهبط الطائرات بمناديل بيضاء.


بدأت القصة برحلة طويلة إلى كوبنهاجن ثم دبي، اختتمها في القاهرة لحضور فعاليات أحد المعارض، وعند بحثي عن تذكرة طيران من دبي إلى القاهرة ظهرت بنتائج البحث تذكرة علي احدى رحلات شركة Nile Air، فتذكرت علي الفور إعلان تريزيجيه وبدأت الأغاني الوطنية تتردد في ذهني وتذكرت هدف أبو تريكة في الصفاقسي وهدف مجدي عبد الغني في هولندا وأغاني حسين الجسمي، وبالرغم من أن التذكرة لم تكن أقل سعراً من طيران الاتحاد بكثير وليست أيضاً بعيدة في السعر عن طيران الإمارات، إلا أنني قررت أن أخوض تجربة السفر مع Nile Air الذي يأخذك من دبي عبر حافلة إلى مطار العين حيث تباشر الشركة رحلاتها.


كان من المفترض أن أذهب إلى القاهرة الأربعاء الماضي، لكن بعض مشاغل العمل اضطرتني للبقاء في دبي ليومين آخرين، فكان من اللازم أن أغير ميعاد التذكرة من الأربعاء إلى الأحد، وهنا نزل تتر فيلم «سنوات الحب»، فعندما دخلت إلى الموقع لم أجد أي شئ يفيد بأنني أستطيع تغيير ميعاد التذكرة عبر الموقع، فقمت بإرسال رسالة للصفحة الرسمية للشركة علي فيس بوك، فلم يردوا، فقمت بالاتصال بالخط الساخن للشركة عدة مرات .. فلم يردوا أيضاً!


هنا بدأت في الشعور بالخطر .. قمت بفتح صفحة فيس بوك لأرى التقييمات التي تركها مسافرين سابقين مع Nile Air فوجدت أن عدم الرد على الخط الساخن شكوى متكررة ودائمة.

طلبت من الأصدقاء في مصر متابعة الاتصال برقم الشركة لإيجاد حل، وهنا أخبروني أن أحدهم رد أخيراً بعد عشرات المكالمات، وأخبرهم أن تغيير ميعاد التذكرة غير ممكن عبر الإنترنت أو الهاتف ولابد أن يكون عبر مكاتب الشركة، وأنه لا يستطيع أن يعرف فارق السعر أو وجود مقعد بالطائرة المرغوب الحجز بها عبر الهاتف، لأن هذه خدمة متوفرة بالمكاتب فقط.


حسناً .. Nile Air ترى أن السيناريو المنطقي لمسافر من دبي إلى القاهرة يريد تغيير تذكرته أن يذهب للقاهرة علي الطائرة التي يريد تغييرها ثم يذهب لزيارة مكتب الشركة ويغير التذكرة ثم يعود لدبي للسفر علي الطائرة التي يود السفر عليها .. هل ذكرت أن رقمهم بالعين الإماراتية أيضاً لا يرد على الهاتف؟!


هنا ذهب أصدقائي لتغيير التذكرة في مكتب الشركة بمطار القاهرة بعدما تم إعلامهم عبر الهاتف أن آخر موعد لتغيير التذكرة في الساعة الرابعة، وعند ذهابهم في الساعة الثانية تم إخبارهم أن تغيير التذكرة غير ممكن لأنهم كانوا يقصدون الرابعة بتوقيت الإمارات! وبعد مناقشات تم تغيير التذكرة برسوم تغيير ٥٠ دولاراً (أعلى سعرا بكثير من رسوم تغيير التذكرة بطيران الإمارات).


جاء اليوم الموعود أمس الأحد للسفر، و لعدم وجود عنوان محطة الحافلات بالتفصيل في التذكرة قمت بإرسال رسالة أخرى لفريق فيس بوك الذي رد فوراً هذه المرة، وبالوصول وجدت أن "الحافلة" هي ميكروباص تويوتا، ولحسن حظي مع هذه الشركة، تزامن يوم السفر مع سيول غير عادية أغرقت دبي بشكل غير مسبوق مما عطل حركة المرور بشكل كبير، وتأخرنا بشكل كبير فاقترح علي أحد المسافرين علي الرحلة ذاتها أن نقوم بعمل تسجيل للبيانات عبر الانترنت "Online Check in" .. وطبعاً دخلت إلى الموقع وكانت الخدمة غير موجودة.


وصلنا إلى مطار العين وقمنا بإجراءات السفر المعتادة، صعدت إلى الطائرة وفي ذهني إعادة لتجربة الحجز ولكن هذه المرة في الطائرة، استقبلني طاقم ضيافة مبتسم .. وهذا الملصق ..


تستطيع أن تفتح أي مجلة أو جريدة مصرية لتجد جميع الشركات تقول عن نفسها "الرائدة" و"الأفضل" والأكبر" بغض النظر عن خدماتها المقدمة .. ولا أعلم لماذا تحتاج أي شركة أصلاً أن تكون "الرائدة" لكي تكون شركة جيدة .. فشركة مثل Nile Air تحتاج لأن تكون بديلاً ذو سعر معقول للمسافرين إلي مصر ولا تحتاج أي ريادة على الإطلاق فهي تحتاج أن تكون Easyjet أو RyanAir المصرية! وهي بالطبع لم تظهر أي ريادة في تجربة الحجز، وما هو عدد شركات الطيران في مصر أساساً لكي تكون رائدة؟! وما هي أوجه هذه الريادة؟


بغض النظر عن أن المقاعد تبدو قديمة بعض الشئ رغم عمر الشركة الشاب، إلا أن مستوى الراحة كان جيداً جداً، مساحة الأرجل جيدة جداً مقارنة بشركات مخضرمة أخرى مثل لوفتهانزا علي سبيل المثال الذين يحتاجون مسافرين ذوي حجم مدمج، وحينما بدأت الرحلة وبدأ طاقم الضيافة في الخدمة، كان كل شئ علي مايرام وكان الأكل ذو مذاق جيد ومقدم بطريقة جيدة.

تجربة "الطيران" ذاتها لم تكن سيئة على الإطلاق مع Nile Air، لكن الشركة تملك بنية تحتية رقمية تقترب من صفر، والبنية التحتية الرقمية في عام 2017 ليست شيئاً إختيارياً، فهناك شركات مثل Norwegian Airlines تقدم خدمة الانترنت على جميع طائراتها مجاناً منذ عام ٢٠١١ بينما لا أستطيع تغيير تذكرتي سوى عن طريق المكتب مع Nile Air في ٢٠١٧!؟ موقع الشركة يقدم فقط خدمة الحجز، لكن بعد الحجز نحن لا نعرفك!


Nile Air لديها فرصة كبيرة للمنافسة إذا بدأت في تقديم خدمات حقيقية والتعرف علي المسافرين واحتياجاتهم بشكل حقيقي، فساعات الطيران تمثل فقط نسبة ضئيلة من تجربة السفر مع شركة معينة، الأمر أكبر بكثير من مجرد الحجز عبر الانترنت وأرجو أن تلتفت الشركة لذلك، فالمسافرون قد توقفوا عن الذهاب للمكاتب منذ فترة طويلة جداً، وأصبح كل شئ يدار عن طريق الانترنت، مع الاعتذار لنادية لطفي وشكري سرحان.


الأكثر قراءة شاهد المزيد