محمود مصطفى كمال

كنت أتجول في إحدى تلال إسطنبول راكباَ دراجة في أحد أيام ديسمبر الباردة هناك وقتما تمطر السماء، ومع نزول المطر كان الطريق خالٍ تماماَ، لم أرى أي شخص أمامي سوي شخص يبدو عليه السن من انحناءة ظهره وملابسه الكلاسيكية، كان يقف أمام المتجر الوحيد في التل والذي يقع في منتصف الطريق بين قمة التل والمدينة في أسفله.قررت أن أتوقف لشراء وجبة سريعة و لسؤاله عن الطريق، فسألته إذا كنت أسلك الطريق الصحيح، فرد علي بينما كان يشير لي تحت الأمطار إلى الطريق الصحيح، انتهى من شرح الطريق فقلت له شكراَ، فأومأ لي برأسه، ووقفت أنتظر وجبتي. قال لي "من أين أنت؟"، قلت له: "من مصر"، فنظر إلي باستغراب وقال لي "وماذا تفعل هنا في هذا المكان وفي هذا الوقت!؟" 

قلت له أنني كنت أزور الكنيسة الأثرية أعلى التل، فسألني إذا كنت مسيحياَ .. فأجبته بأنني مسلم، فقال لي: "لماذا أنت مهتم بزيارة الكنيسة؟"، قلت له أنها كنيسة أثرية وأن جزءاَ من التاريخ قد حدث بها .. وإني أردت أن أرى ملامح القصة التي حدثت بالأعلى .. فابتسم .. فقلت له مازحاَ: "غريبة أنك سألتني هذا السؤال .. لم أفكر في كوني مسلماَ أو مسيحياَ وأنا أصعد 5 كيلومتر بالدراجة حتى أصابني الشد العضلي .. حتى أنني تركت دعاءاَ في وعاء أوراق الأدعية بالكنيسة في الأعلي!".

ضحك وقال لي أن هذا ليس ما يفعله العرب عادة وأنهم يهتمون أكثر بزيارة الآثار الإسلامية فقط في تركيا، فقلت له: "أنت لا تريد أن تعرف ما الذي نعرفه عن اهتماماتكم من خلال ما نشاهده في المسلسلات التركية، لكن هذا ليس حقيقياَ أليس كذلك؟" فدعاني للدخول إلى داخل المتجر وقال لي "دعني أقدم لك لأصدقائي، ما إسمك؟" رددت: "محمود"، فقال لي: "حقاَ؟!"، وقام بمناداة أحد أصدقائه وتكلم معه ببعض الكلمات التركية التي لم أفهمها، ثم قال لي: "إسمه محمود مثلك!"، أو "ميموت" كما ينطقونها في تركيا.


كان هذا الرجل لاعب كرة سلة تركي في لقاء مع فريقه للمرة الأولى منذ سنوات، حيث كانوا يمارسون جميعاَ رياضة الجري، ولكنهم صاروا جميعاَ كباراَ في السن حتى أنهم صعدوا التل في عربة يجرها حصان.

وعلى ما يبدو أنه أخبرهم بالتركية عن أنني كنت في زيارة للكنيسة في الأعلى، فقال لي محمود التركي: "عظيم يا صديقي أن تكتشف العالم وترى القصص التي وراءه، شئ رائع أليس كذلك؟ هل أنت هنا للسياحة؟" فرددت نعم، فقال لي أن الخروج للسياحة في دول أخرى قرار دائماَ ما يكون صحيح، فرددت: "لم أثق في أنه القرار المثالي حينما رأيت سعر صرف الليرة التركية بالنسبة للجنيه المصري! فعملتنا المحلية تمر بأزمة تجعل من السياحة الخارجية أمر صعب للغاية!"، فرد علي بجملة ما زلت أتذكر وقعها علي أذني ولن أنساها أبداَ .. "My friend .. Do it while you still can!".


سألته: "ماذا تقصد؟"، رد علي بأنه من المفيد دائماَ أن تفكر في المستقبل وأن تقوم بالادخار والعمل علي الاستقرار أولاَ، لكنك لا تريد أن تكون صورتك الأولى تحت برج ايفل بتجاعيد في وجهك، أو أن تأتي إلي تل مثل هذا فتجد أن قدماك لا تقدران علي الصعود أو أنك لا تقدر علي التقاط أنفاسك فتظل بالأسفل بدون أن تصعد وتشاهد الكنيسة التي أتيت من أجلها، كما أنك لن تريد أن تتنقل في جبال براجا البرتغالية متكأ علي عصا، لقد ذهبت لكل هذه الأماكن وأقول لك .. هناك أمور لا تستطيع تأجيلها ووقتها هو الآن، إفعلها طالما أنك تقدر ولا تفكر بالمال، ادخر من أجلها وافعلها وعد مفلساَ مرة أخرى.

قلت له مبتسماَ: "لم أفكر في الأمر من هذا المنطلق تماماَ .. بل علي العكس كنت أفكر أن أكون أكثر استقراراَ من الناحية المادية أولاَ ثم ابدأ في السفر مرة أخرى"، فقال لي: "لن يأتي هذا الاستقرار أبداَ، طالما أنك تقيس استقرار حياتك بالمال فلن تصل إلى حد مرضي وستظل تؤجل حياتك للأبد"


"سأقول لك شيئاَ، كل هذه الخطط لا تعني شيئاَ، فمهما خططت ستقودك الحياة كما تريد هي، سيذهب الشباب وتذهب الصحة، وقد يذهب كل شئ في لحظة، لذلك عش الأن".

"أتعرف .. خلال سنين شبابك أنت تبني في روحك .. روحك التي ستبقى معك حينما يرحل الشباب وترحل الصحة شيئاَ فشيئاَ .. إذا أجلت الحياة لن يكون لديك روح حينما تكبر في السن، أنظر الينا .. فكل ما يجمعنا هو شئ تعودنا أن نفعله في الماضي .. لقد تقابلنا لكي نحكي عن ذكرياتنا و مبارياتنا حينما كنت نلعب كرة السلة وحينما كنا نظن أن لا شئ في العالم يستطيع أن يوقفنا" .. ثم قال ضاحكاَ: "لا أتخيل نفسي بدون هذه الحكايات .. كنت سأكون عجوزاَ مملاَ جداَ" .. وقال: "اصنع حكاياتك يا صديقي المصري .. افعل ذلك بينما لا زلت تستطيع".

الأكثر قراءة شاهد المزيد