محمود مصطفى كمال

 

في أحد المؤتمرات الصحفية عام 1989، يتسلم أحد المشاركين قصاصة ورقية، يفتحها لقراءتها ثم يقول: “لقد قرر المكتب السياسي أن سكان برلين الغربية يستطيعون العبور للجانب الأخر من أي من المعابر الموجودة بالجدار”.

جن جنون الجميع، لسنوات طويلة كانت محاولة العبور من برلين الشرقية إلى برلين الغربية انتحارية بشكل كبير، الصراعات السياسية وضعت حاجزاً بينك وبين أصدقائك وأحبائك ليظل كل منكم حبيس مكانه.


الآن قد تحقق الحلم، وتدفقت الحشود إلى سور برلين، الذي يحرسه بعض الجنود ممن لم يتم إخبارهم بالقرار السياسي بعد، ماذا سيفعلون مع كل هؤلاء؟ كان الأمر مسألة وقت قبل أن يستسلموا ويتركوا الجميع يعبرون إلى الجانب الأخر، وكان الأمر مسألة وقت قبل أن يشارك الكثيرون من هذا الجيل المحظوظ في إسقاط سور برلين بأيديهم العارية.

في أثناء هدم سور برلين كان عمري عامين، أعيش ببيت جدي بالقاهرة، جزء آخر من العالم يعيش ظروفاً مختلفة، كبرت وصار لدي جواز سفر، وفي يوم من الأيام أخذت تذكرتي إلى ألمانيا وذهبت لأمشي وسط الكثيرين ممن هدموا هذا السور .. وأبنائهم ممن هم في سني يعيشون حياة مختلفة بعدما دفعت أجيال سابقة الثمن.إذا قام أحد المتخلفين عقلياً بتفجير نفسه في هذا الشارع فسأكون أول مشتبه به، حتى ولو كان الجاني الحقيقي من بويرتو ريكو وقام بتفجير نفسه في متجر إنتهت منه التخفيضات قبل أن يشتري القميص الذي أعجبه، لكنكم تفهمون ما يحدث في العالم حالياً وهو ما يجعلني مثالياً لأكون مشتبهاً به، وهذا هو السور الجديد.


في وقت قريب كانت أوروبا تعاني الحرب والفقر والخراب، وأيضاً العنصرية والكره في كثير من دولها وانعدام الحرية. لم يكن الأمر كما هو الآن بأن تخرج من ألمانيا إلى سويسرا إلى إيطاليا ببطاقة الهوية أو رخصة القيادة بعدما صارت أوروبا ذات حدود مفتوحة لا تحتاج بها جواز سفر إذا كنت مواطناً أوروبياً، فحتى وقت قريب لم تكن تستطيع الذهاب من شرق برلين لغربها، لكن أنظر إليهم الآن. ربما أن هذا دورنا لكي نعاني لبعض الوقت من أجل مستقبل أفضل، فلا أعتقد أن أكثر المتفائلين بالجيل الذي هدم سور برلين كان يتوقع أن يتمتع بهذا القدر من الحرية بعد عقود قليلة، وربما تكون القاهرة في عام 2040 أو 2050 مثل برلين الأن .. ربما أننا نعيش ثمانينيات أوروبا .. من يعلم؟

بجواز سفر غير مرحب به في معظم دول العالم، وفضول لإستكشاف العالم، أحاول أن أرى ما في الجانب الأخر، أحاول أن أهدم السور، وكلما رأيت أماكن جديدة وجدت أن البشر جميعاً شئ واحد، يحملون داخل أدمغتهم الأحلام ذاتها، يحملون المخاوف والأماني ذاتها، ينقصهم فقط: التواصل. أختام الرفض الصادرة من سفارات العالم تذكرني بشئ واحد: حراس سور برلين، ممن يمنعوك من رؤية الجانب الآخر، لكن ربما في وقت ما، قريب، سيستطيع العالم أن يتواصل بشكل أكبر بعدما تسقط الأوهام الكثيرة التي نحملها تجاه بعضنا البعض.

في كل مرحلة من التاريخ، يتوجب علي جيل ما في مكان ما أن يهدم السور.

 

أفضل الفنادق في برلين

الأكثر قراءة شاهد المزيد